الرئيسية / ركن المقالات / ركن العقائد / من أدلة تحريف التوراة

من أدلة تحريف التوراة

 

ان مسألة تحريف الكتاب المقدس قد انتهى الجدل فيها بين الثقاة من العلماء والباحثين ، ولم يعد بينهم خلاف يذكر حول تحريف الكتاب المقدس ، والتفاوت بينهم ، إنما هو من حيث الكم والكيف فيما يقدمونه من أدلة ، ونحن فيما نقدمه هنا من أدلة . ليس إلا إضافة أو تذكير بما أقاموه من أدلة :
تضخم التوراة بفعل اليهود :
وسنعتمد في هذا على التوراة نفسها ، فالتوراة التي بين أيدينا الآن . لا يمكن أن تكون كلماتها بنفس الكم الذي نزلت به ، فنحن نرى أسفارها الخمسة تملأ 379 صفحة بالحروف الصغيرة ، بينما التوراة نفسها تحدد لنا الصورة التي نزلت بها ، بشكل لا وجه فيه للمقارنة بين حجمها الحالي وحجمها الذي نزلت به ، حيث يذكر سفر الخروج [ 24 : 12 ] ، أن موسى تلقي التوراة مكتوبة على لوحين من حجر :
( وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى : اصْعَدْ إِلَى الْجَبَلِ وَامْكُثْ هُنَاكَ لأُعْطِيَكَ الْوَصَايَا وَالشَّرَائِعَ الَّتِي كَتَبْتُهَا عَلَى لَوْحَيِ الْحَجَرِ لِتُلَقِّنَهَا لَهُمْ )
ويذكر سفر الخروج أيضاً في [ 32 : 15 ] :
( ثُمَّ نَزَلَ مُوسَى وَانْحَدَرَ مِنَ الجَبَلِ حَامِلاً فِي يَدِهِ لَوْحَيِ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ نُقِشَتْ كِتَابَةٌ عَلَى وَجْهَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَانَ اللهُ قَدْ صَنَعَ اللَّوْحَيْنِ وَنَقَشَ الْكِتَابَةَ عَلَيْهِمَا )
وقد يتبادر إلى الذهن ، أنه لا مانع عقلاً من أن يكون اللوحان من العظم والاتساع ، بحيث يملأ المسطر عليها 379 صفحة من الورق كما نراها الآن .
ولكن التوراة نفسها تدفع هذا الاحتمال حين تحدد حجم اللوحين بالتابوت الذي أمر الله موسى أن يصنعه ويحفظ فيه التوراة :
فقد جاء في سفر الخروج [ 25 : 10 ، 16 ] :
( تابوتاً من خشب طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف وارتفاعه ذراع ونصف ، وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك )
وقد يرد على الذهن احتمال أن ما كتب على اللوحين ، بلغت حروفه حداً من الصغر ، بحيث إذا نقلت كلماته على الورق ، ملأت صفحات عديدة ، ونحن نرى الآن القرآن الكريم يكتب في صفحة واحدة لا تزيد كثيراً عن ذراع في ذراع.
ومرة أخرى نجد التوراة نفسها تدفع هذا الاحتمال ، حين تحدد لنا الزمن الذي يستغرقه كتابتها وقراءتها ، بحيث لا يبقى لدينا أدنى شك في تقدير حجمها ، وأنها لا تزيد عن كلمات لا تملأ أكثر من بضع ورقات فيقول كاتب سفر التثنية [ 31 : 9 ] ( وَكَتَبَ مُوسَى كَلِمَاتِ هَذِهِ التَّوْرَاةِ وَسَلَّمَهَا لِلْكَهَنَةِ بَنِي لاَوِي حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ وَإِلَى سَائِرِ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَأَمَرَهُمْ مُوسَى قَائِلاً: «فِي خِتَامِ السَّبْعِ السَّنَوَاتِ، فِي مِيعَادِ سَنَةِ الإِبْرَاءِ مِنَ الدُّيُونِ، فِي عِيدِ الْمَظَالِّ عِنْدَمَا يَجْتَمِعُ جَمِيعُ الإِسْرَائِيلِيِّينَ لِلْعِبَادَةِ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْتَارُهُ، تَتْلُونَ نُصُوصَ هَذِهِ التَّوْرَاةِ فِي مَسَامِعِهِمْ )
ويحدد لنا سفر يشوع [ 8 :32 ] الزمن بدقة أكثر ، حين يذكر أن يشوع نقش نسخة من التوراة على الحجر وتلاها على الشعب في جلسة واحدة :
( وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى . وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة ، البركة واللعنة ، حسب كل ما كتب في سفر التوراة لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدام كل جماعة إسرائيل ) .
ولكن قد يرد احتمال أخير :
أليس من الجائز أن يكون موسى عليه السلام قد تلقى مع اللوحين نصوص أخرى ، وأن المجموع هو ما يطلق عليه التوراة .
ولكن هذا الاحتمال الأخير نجد ما يرده من سفر الملوك الأول [ 8 : 9 ] حيث يذكر بوضوح أن سليمان حين نقل التابوت إلى المعبد الذي بناه ، لم يكن فيه سوى اللوحين :
( وَلَمْ يَكُنْ فِي التَّابُوتِ سِوَى لَوْحَيِ الْحَجَرِ اللَّذَيْنِ وَضَعَهُمَا مُوسَى فِي حُورِيبَ حِينَ عَاهَدَ الرَّبُّ أَبْنَاءَ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ )
وأخيراً فإن التوراة تعين لنا على لسان موسى عليه السلام قبل موته مضمون التوراة ، بأنه عبارة عن الوصايا العشر ، وهي فقط ما كتب في اللوحين :
( ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم أسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلم بها في مسامعكم اليوم وتعلموها واحترزوا لتعملوها فقال أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً . . لا تطنق باسم الرب إلهك باطلاً . . لا تقتل ، ولاتزن ، ولا تسرق ، ولا تشهد على قريبك زور ، ولا تشته امرأة قريبك ، ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك ، هذه الكلمات كلم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم ولم يزد وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إياها ) تثنية [ 5 : 1 ، 22 ] كل هذا يرجح إن لم يكن يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى في اللوحين لا تعدو أن تكون الوصايا العشر ، وهذا هو ما يتفق مع العقل ومع النصوص التي أوردناها من التوراة نفسها ، خصوصاً إذا علمنا أن كلمة ( سفر ) تعني في اللغة العبرية ورقة أو صحيفة ، أما هذا الحشد أو التضخم الذي عليه التوراة الآن إنما هو من فعل بشري .
___________________________________
من كتاب الملة والنحلة في اليهودية والمسيحية والاسلام بتصرف. طبعة دار القلم بالكويت 1989

شاهد أيضاً

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي عليه السلام

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا …

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم …

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها فإذا عرف هذا فاحتجاج هؤلاء بالآيات التي ظنوا …