الرئيسية / ركن المقالات / حول لغة إنجيل يوحنا !

حول لغة إنجيل يوحنا !

 

كتب د.محمود أبو السمن.

يختلف مفهوم “الوحي” في المسيحية عن مفهومه في الإسلام اختلافا جذريا لا اجتماع فيه ما بين العقيدتين.

قديس المسيحية “شاول الطرطوسي” أو المشهور بإسمه “بولس” قال في رسالته الثانية إلى تيموثاوس واصفا الأسفار التي بين يديه بـ ((كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر)). تنبغي الإشارة إلى أن الكتاب الذي يقصده بولس هنا وفي ذلك الزمان، ليس الكتاب الذي نقصده في بحثنا هذا، و هو بجميع الأحوال لا يشير أبدّا إلى الأناجيل الأربعة (لأنها ببساطة  لم تُكتب بعد)، و إنما بكل تأكيد يعني الأسفار المكتوبة إلى عهده، و هي قطعا أسفار العهد القديم اليهودي حصرا قبل أن يتكوّن لدينا ما عُرف لاحقا بـ “قانون العهد الجديد” (و هي الأسفار القانونية التي قبلتها الكنيسة).

عندما تقرأ كلمة “وحي” أو أي كلمة لها مُشتقة منها في الترجمة العربية للكتاب المقدس الذي بين يديّك، عليك بردّ الكلمة إلى أصلها اليوناني. كلمة وحي في اليونانية تأتي من ((θεόπνευστος)) و التي بدورها تأتي من ثيوس (θεός)) بمعنى إله، و من بينو ((πνέω)) بمعنى تنفّس [انظر أرقام سترونغ للكلمات: G2315،  G2316 ،  G4154]. إذن الوحي، حرفيا، يُعنى به “تنفّس الإله”.  تعتمد المسيحية التقليدية رأيا قائلا بأنّ “روح القُدس” قد “ساق” كتبة الأسفار إلى كتابة ما كتبوه، فالنصوص المسيحية هي بالأساس مُوحى بها من الله في المعنى و ليس في النصّ، بل إن ذلك قد تُركّ إلى الكتبة لإختيار الكلمات المناسبة و صياغة النصوص المسيحية التي اتخذت المرتبة التشريعية لاحقا.  إذن ما كان على الكتبة سوى اختيار الكلمات من عندهم، و ما كان من المسيحيين سوى التسليم بأن هذا وحي من عند الله !

و هذا قطعا يخالف بل و يناقض الفهم الإسلامي التوحيدي الخالصْ للوحي. فالوحي القُرآني المُتعبّد به تلاوة، لا يصلح بتاتا أن يُترك أمره للرسول ليختار الكلمات و الصياغة بنفسه، إذ أن ذلك ينسف مفهوم الوحي من أصله، و صدق الله قوله ((قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف: 203] و قوله تعالى ((وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )) [يونس:15].

إنطلاقا من الفهم المسيحي للوحي، لم تكن هناك أي مُشكلة لدى المجامع المسكونية و الكنائس في اعتبار النصوص على أنها من عند الله بمجرد تداولها و اتساقها مع العقيدة المسيحية الأرثوذكسية المدعومة من السُلطّات الرومانية، بالرغم من جهلهم بكتبة الأناجيل و عجزهم التامْ عن تبيان أحوالهم فضلا عن أسمائهم كاملة .. ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)) [الأنعام: 93].

و من  مقتضيات هذا الفهم، أنّ الوحي المسيحي لا يستلزم الدّقة في اللغة.

بشارة يوحنا (أي إنجيل يوحنا) –موضع بحثنا- التي  وصفها “وليام باركلي” أحد أبرز المدافعين عن المسيحية بأنّها “أثمن أسفار الإنجيل” و “قدس أقداس العهد الجديد[1] لا يعلم العلماء الباحثين على وجه التحديد في أي لغة كُتبت في أصلها!

ليس غريبا عندها أن نجد الأنبا يؤأنس أسقف الغربية يصف إنجيل يوحنا بـ “إنجيل الأناجيل[2] و لا أغرب من أن يصفّه الأب “متى المسكين” بأن “فيه ما يحيّر أعظم العقول[3].

حاول الأب متّى المسكين في كتابه “المدخل لشرح إنجيل يوحنا دراسة و تحليل” إماطة اللثام عن كل ما في هذا الإنجيل من خلاله دراسته دراسة تاريخية و لغوية، و هي دراسات غير مسبوقة على مستوى الدراسات المسيحية الشرقية، التي ما زالت حتى اللحظة جامدة تتمسك بعصمة الكتاب و ترفض الإعتراف تماما بالأخطاء التاريخية و اللغوية و التناقضات النصيّة التي تملئ ثنايا الكتاب حتى التخمة.

و ليس عندها من المُستغرب أن نعلم أن البابا الهالك “نظير جيّد” (المعروف بإسم شنودة) قد قرر منع تداول و طبع كُتب الأب متّى المسكين، و خاض ضده حربا ضروسا، و عدّه من الهراطقة المعاصرين في أحد كتبه محذرا منّه، لخطورة ما كتبه متّى المسكين على بنية “الكنيسة الأرثوذكسية” العقائدية و الفكرية و السياسية.

و في معرض كلام الأب متّى المسكين حول إنجيل يوحنا قال : ((لقد إتضح للعلماء أن إنجيل يوحنا له خلفية عبرية يهودية ذات أبعاد عميقة في ذهنية القديس يوحنا الرسول و في كتابته. و هذا تأكد لهم بعد أن أرجع بعض العلماء كثيرا منها إلى أصولها الآرامية و العبرانية و أشهرهم العالم بورني الذي حلل تركيب الجميل و أدوات الوصل، و الضمائر، و الأفعال، و أدوات النفي، و أثبت أن وراء اللغة اليونانية التي كتب بها القديس يوحنا إنجيله، توجد اللغة الأم للكاتب واضحة. و قد ترجم هذا العالم بعض الجمل إلى الآرامية لكي يثبت أصل التركيب بصورة رائعة حقا))[4].

يتميّز نصّ إنجيل يوحنا بأنّه “السيمائية” ظاهرة بارزة فيه لا يجهلها أحد من متكلمي اللغات السامية.

من ذلك أن هناك نظرية لها قبول عالمي تقول بأن إنجيل يوحنا كتبه شخص يجيد اليونانية كما يجيدأنه الآرامية السريانية. النظرة الكنسية التقليدية لعبرانية بعض النصوص تقول بأن كاتبي النصوص استخدموا اليونانية و لم يستخدموا السريانية في الأصل لأنها كانت مُوجهّة في أصلها لغير اليهود، و هو قول فاسد انتحله المتأخرون، لا تؤيده نصوص الإنجيل بتاتا التي تقطع بأن رسالة المسيح كانت في أصلها و لُبّها إلى “خراف بيت إسرائيل الضالة” (و فيما بعد نُسب له قول بأنه أمر تلاميذه بالذهاب ليبشروا للأمم، و يجدر الإنتباه إلى تلاميذه لم يكتبوا أي من الأناجيل التي نجدها اليوم مهما حاولت الكنيسة زورا تلفيق ذلك و الأبحاث العلمية في هذا الباب كافية!). لا شك أن تبنّي كتبة الإنجيل للغة اليونانية هو نابع من تأثرهم بالفكر الهيليني في المقام الأول و من رضوخهم للسلطة الرومانية و محاولة إبعاد أنفسهم عن أي شيء قد يربطهم بالمتمردين على روما.

و يورد متّى المسكين مواضع مختلفة حيث يقوم يوحنا بمردافة كل لفظ سرياني على معناه اليوناني الذي يقرأه القارئ العربي من دون إدراك ذلك.

((مسيا أي المسيح)) يوحنا 1: 41

((سلوام و تفسير مُرسل)) يوحنا 9: 7

((توما و تفسيره توأم)) يوحنا 11: 16

((جلجثة أي الجمجمة)) يوحنا 19: 17

و مرادفة كاتب يوحنا للألفاظ السريانية بمعانيها توحي بمعرفته الجيّدة بالسريانية، و وقوع احتمال تحدثّه بهذه اللغة.

تتميّز النصوص السامية بأنها نصوص لا تحتاج إلى الكثير من أدوات الوصل، فمن الممكن أن يتمْ معنى النص المُكوّن من جُملِ متراصّة و من دون استخدام “و” و غيرها، بعكس البنية اللغوية للغة اليونانية التي تحتاج إلى ربط الجمل بالعديد من أدوات الوصل، من أبرزها και (كاي) بمعنى “و”.

الناظر في العديد من النصوص الإنجيلية يظهر له تكرار  أدّاة الوصل (كاي) ” και” على نحو لا يجدّه في نصّ إنجيل يوحنا.

فما يلحظه القارئ في الاصحاح الخامس عشر من يوحنا على عكس ما يجدّه في غيره من النصوص من حيث تمام المعنى في ظل غياب أدوات الوصل المختلفة الضرورية لإتمام المعنى في اليونانية، و هو ما يدعم النظرية القائلة بأن الكاتب إما قد ترّجم النص عن أصل سرياني مفقود، أو أن أسلوبه السرياني قد غلب على النصّ اليوناني.

و لقد استفاض الأب متّى المسكين (الصفحات 75- 80) في تبيان الخلفية العبرانية للنصّ من أوجه كثيرة مثل تكرار بعض الكلمات على نحو (سجود، شهادة، ثبات) في ذات النصّ، أو تكرار مفردات تمتاز بنفس ذات النُطق السرياني على نحو قوله في يوحنا 8: 34 ((إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية)) حيث تشترك كلمة “يعمل” (ܕܥܒܕ) و التي نقرأها في السريانية (د-عبد) مع كلمة “عبد” (ܥܒܕܗ) و التي نقرأها كذلك في السريانية (عبده) بهاء مهملة، و هو ما يراه البعض دليلا صريحا على أنه هذا التناغم في الأصل السرياني يستحيل أن لا يدّل على أن هناك خلفية سريانية لإنجيل يوحنا.

و لا بد من الإشارة إلى أن علماء النقد الأعلى للعهد الجديد (و هو العلم الذي يُعنى بكاتب النص  ولغته و خلفيته التاريخية) منقسمين إلى ضربين في لغة أناجيل العهد الجديد القانونية.

الفريق الأول الذي يحتل رأي الأغلبية، ينحاز إلى نظرية “الأوليّة اليونانية” Greek Primacy و هو فريق على رأسه العالم بروس متزجر حيث يرى بأن النصوص التي بين أيدينا قد كُتبت باليونانية أصلا و تداولا و لم يتم ترجمتها عن السريانية، و الفريق الآخر الذي يفتقد إلى تأييد أكاديمي ذي ثقل، ينحاز إلى نظرية “الأوليّة الآرامية” Aramaic Primacy و هو يرى بأن النصوص قد كُتبت في أصلها في السريانية ثم تُرجمت إلى اليونانية.

و نحن بلا شك نختار الرأي القائل بأنّ نصوص الأناجيل كُتبت في أصلها باليونانية المغايرة تماما للسان المسيح عيسى بن مريم صلى الله عليه و سلم، و أن النصوص السريانية الموجودة اليوم هي نصوص مترجمة عن الأصول اليونانية.

إن تأثر الكاتب باللغة السريانية الواضح و البارز في نصوص الإنجيل لا يعني أنها كُتبت في أصلها بالسريانية. و قد يصح الإستدلال بأنّ كاتب يوحنا كان لسانه سريانيا و كتب باليونانية، بعكس القول الأسبق السائد بأنه وضعها في السريانية ثم تُرجمت إلى اليونانية.

هذا يجعلنا نتساءل: إن كانت لغة المسيح في أصلها “سريانية” كما قررنا في مقال آخر، و إن كانت الأناجيل مكتوبة بلغة لا يعرفها المسيح الناصري الجليلي، و إن كانت النصوص التي نحملها بين أيدينا تعتمد  بشكلٍ أساس على نصوص مفقودة، فأين الحق الإلهي الذي يزعمون؟ و أي وحي هذا الذي يتمسكّون به؟

قد يتحجج أحدهم بأن في القُرآن مُفردات “أعجمية” مما وقع منها في لغة العرب، و يُجوّز لنفسه بها الإستدلال على “عجمية” القرآن (العجمية تضاد العربية). و هذا القول الفاسد يلزمه غير ما يلزم موضع بحثنا هنا، لأنّ التحليلات التي استند لها علماء الكتاب المُقدّس في ترجيح سريانية أصوله هو الأسلوب و أدوات الوصل و العلة و الإنكار و التناغم الصوتي، و ليس مجرد وجود هذه المُفردات السريانية في المتن. فإن ورود هذه الألفاظ لا يصح الإستدلال به إلا على إجادة المتكلّم (يسوع أو يوحنا) للسريانية.

و الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات..



[1]  تفسير العهد الجديد – وليام باركلي – ترجمه عزت زكي – صفحة 9

 الكنيسة المسيحية في عصر الرسل – الأنبا يؤانس أسقف الغربية – صفحة 286.[2]

[3]  المدخل لشرح إنجيل يوحنا دراسة و تحليل – الأب متى المسكين ص 66

[4] المصدر السابق، ص 75

شاهد أيضاً

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي عليه السلام

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا …

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم …

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها فإذا عرف هذا فاحتجاج هؤلاء بالآيات التي ظنوا …