الرئيسية / ركن المقالات / ركن الشرائع / طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي عليه السلام

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي عليه السلام

طرق إثبات نبوة الأنبياء السابقين هي إثبات لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم

وقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يحتجوا بشيء من القرآن وما نقل عن محمد – صلى الله عليه وسلم – إلا مع التصديق برسالته وأنه مع التكذيب برسالته لا يمكن الإقرار بنبوة غيره ولا الاحتجاج بشيء من كلام الأنبياء فتكذيبهم يستلزم تكذيبهم بغيره فإذا ثبتت نبوة غيره ثبتت نبوته وذلك يستلزم بطلان دينهم فكان صحة دليلهم يستلزم بطلان المدلول وفساد المدلول يستلزم فساد الدليل، فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل، فإن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح.
فإن كان محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لزم بطلان دينهم وإذا بطل دينهم لم يجز أن يقوم دليل صحيح على صحته وإن لم يكن رسول الله لم يجز الاستدلال بقوله فثبت أن استدلالهم بقوله باطل على التقديرين.
ونحن نذكر هنا أنه لا يجوز استدلالهم بقول أحد من الأنبياء أو الرسل على صحة دينهم وأيضا، فإن الذين احتجوا بقولهم مثل موسى وداود والمسيح وغيرهم إما أن يكونوا عرفوا أنهم أنبياء بدليل على نبوتهم كالاستدلال بآياتهم وبراهينهم التي تسمى بالمعجزات وإما أن يكونوا قد اعتقدوا ذلك بلا علم ولا دليل وإما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلمون نبوة هؤلاء وعلى كل تقدير لا يصح استدلالهم بقولهم.
أما على الأول فلأنه أي طريق ثبتت بها نبوة واحد من هؤلاء الأنبياء – عليهم السلام -، فإنه تثبت نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – بمثلها وأعظم منها وحينئذ، فإن لم يقروا بنبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – مع أن كل دليل يدل على نبوة موسى وداود وعيسى وغيرهم يدل على نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – لزم أن يكونوا قد نقضوا دليلهم فجعلوه قائما مع انتفاء مدلوله وإذا انتقض الدليل بطلت دلالته، فإنه إنما يدل إذا كان مستلزما للمدلول.
فإذا كان تارة يوجد مع المدلول وتارة لا يوجد لم يكن مستلزما له فلا يكون دليلا؛ فإن من جعل المعجزات دليلا على نبوة نبي وقال: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة، ونحو ذلك مما يذكر في هذا المقام وجعلوا ذلك دليلا على نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء.
قيل له: إن كان هذا دليلا فهو دليل على نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – وإن لم يكن دليلا لم يكن دليلا على نبوة موسى وعيسى، فإنه قد ثبت عن محمد من المعجزات ما لم يثبت مثله عن غيره ونقل معجزاته متواتر أعظم من نقل معجزات عيسى وغيره فيمتنع التصديق بآياته مع التكذيب بآيات محمد – صلى الله عليه وسلم.
وإن قالوا: معجزات محمد – صلى الله عليه وسلم – لم تتواتر عندنا قيل: ليس من شرط التواتر أن يتواتر عند طائفة معينة بل هذا كما يقول المشركون والمجوس وغيرهم لم يتواتر عندنا معجزات موسى والمسيح – عليهما السلام – وإنما تتواتر أخبار كل إنسان عند من رأى المشاهدين له أو رأى من رآهم وهلم جرا.
ومعلوم أن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – الذين رأوه ونقلوا معجزاته أضعاف أصحاب المسيح – عليه السلام – والتابعون الذين نقلوا ذلك عن الصحابة كذلك فيلزم من التصديق بمعجزات المسيح – عليه السلام – التصديق بمعجزات محمد – صلى الله عليه وسلم – ومن التكذيب بمعجزات محمد التكذيب بمعجزات المسيح.
وإن قالوا: عرفت نبوة المسيح ببشارات الأنبياء قبله قيل: وفي الكتب المتقدمة من البشارات بمحمد – صلى الله عليه وسلم – مثل ما فيها من البشارات بالمسيح وأكثر كما سيأتي بعضها إن شاء الله تعالى. وإن تأولوا تلك البشارات بمحمد – صلى الله عليه وسلم – بما يمنع دلالتها قيل لهم واليهود يتأولون بشارات المسيح بما يمنع دلالتها على المسيح.
فإذا قالوا: تلك التأويلات باطلة من وجوه معروفة، بين لهم أن هذه باطلة أيضا بمثل تلك الوجوه وأقوى فما من جنس من الأدلة يدل على نبوة موسى والمسيح إلا ودلالته على نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – أقوى وأكثر فيلزم من ثبوت نبوة موسى والمسيح ثبوت نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – ومن الطعن في نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – الطعن في نبوة موسى والمسيح.
وإن قالوا: إن المسيح إله قيل لهم: ثبوت كونه إلها لو كان ممكنا أبعد من ثبوت كونه رسولا فكيف إذا كان ممتنعا؟ .
وذلك أنه ليس معهم ما يدل على إلهيته إلا ما ينقلونه من أقوال الأنبياء أو الخوارق والخوارق لا تدل على الإلهية، فإن الأنبياء ما زالوا يأتون بالآيات الخارقة للعادة ولم تدل على إلهية أحد منهم.
وأما أقوال الأنبياء – عليهم السلام – فلا ريب أن دلالتها على رسالته ورسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – أظهر من دلالتها على إلهية المسيح فيمتنع الاحتجاج بها على إلهية المسيح دون رسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – ورسالة المسيح ومتى ثبت أن محمدا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بطلت إلهية المسيح، فإنه كفر من قال: إنه الله أو ابن الله بل وكذلك متى ثبت أن المسيح رسول الله بطل كونه إلها، فإن كونه هو الله مع كونه رسول الله متناقض.

شاهد أيضاً

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة

رد احتجاج النصارى ببعض الآيات على خصوصية الرسالة وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم …

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها

شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها فإذا عرف هذا فاحتجاج هؤلاء بالآيات التي ظنوا …

النصارى بدلوا دين المسيح قبل مبعث النبي عليه السلام

النصارى بدلوا دين المسيح قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود هنا: أن الذي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *